ثقافة الاستهلاك…
14 أبريل 2015   //   By:   //   أحداث وأخبار من واقعنا   //   Comments are off   //   2361 Views

بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيم

كانت حيازة سيارة في بداية القرن العشرين مقتصرة على الصفوة، وكانت صعبة الاستخدام يحتاج صاحبها إلى سائق وميكانيكي ومعدات كثيرة لتسيرها، وقلما تنجو رحلة من تعطلها .. كانت بالفعل ترمز إلى ما وصفه (ثورثتاين فيبلين) الاقتصادي الأمريكي قبل أكثر من عقدين بـالوجاهة الاجتماعية «البريستيج».
سأل هنري فورد نفسه: لماذا لا تكون السيارة أقل تعقيداً وأسهل استعمالاً وسعرها بمتناول العامة؟ .. ولم تمضِ سنوات معدودة من بدئه صناعة أول سيارة اقتصادية حتى كان يتباهى سنة 1914م أن أي عامل لديه يستطيع شراء سيارة موديل «فورد ت» براتب شهرين فقط. إذ إنه استطاع تخفيض سعر سيارته من 1200 دولار سنة 1907م إلى حوالي 270 دولار سنة 1914م بما يعرف اقتصادياً بإنتاج السلسلة.
وقد عمد فورد إلى الترويج لسيارته الاقتصادية من خلال شركات الإعلان. لكنه في فترات لاحقة, عندما بدأ إنتاج السيارات بالملايين والطلب عليها فاق العرض, توقف عن الترويج الإعلاني إذ لم يكن بحاجة إليه. فقد كان حديث السيارات وإنتاجها شاغل الصحف والأمريكيين جميعاً وقتها.
لقد حول هنري فورد السيارة إلى سلعة ضرورية لكل فرد أمريكي، فترك هذا أثراً عميقاً جداً على المجتمع الأمريكي، ويمكن أن يتخيَّل المرء ما يقتضيه في ذلك الوقت وجود ملايين السيارات من صناعات أخرى متصلة بها، من مصانع التعدين والمطاط والجلد والزجاج وغيرها. وفي ظل عدم وجود أي بنية تحتية لذلك مما تطلب الأمر تعبيد آلاف الكيلومترات من الطرقات وكذلك صناعة النفط، ومحطات الوقود، ومرائب التصليح .. وغيرها مما يرافق ذلك من نشاطات قتصادية كثيرة.
هذه العملية (الإنتاج المكثف) مع تمكن الأمريكي العادي من الشراء، غيرت وجه أمريكا، حتى قال البعض: «إن هنري فورد غيَّر وجه العالم».


من الصعب أن تعيش على هامش الحياة، ومن الأسى أن تجد أمة عالة على العالم ولا تشكل رقما في المعادلة الدولية .. حقا إنها كارثة أن يكثر المستهلين ويتلاشى المنتجين، ويملك القوت العدو ويبيع السلاح الحاقد ويصنع الدواء من لا يرقب في المريض إلا ولا ذمة.
إنها «ثقافة الاستهلاك» التي بدأت تتفشى في كثير من المجتمعات التي ابتاعتها من غيرها المنتجة نظير حريتها وكرامتها وسيادتها .. ثقافة الدون من الحياة، وإيثار الاسترخاء على الجد وعلو الهمة، وإحلال مظهر الأجساد المترهلة عوضا عن الرشاقة والفتوة.
قال الإمام أبو العباس ابن تيمية في (الحموية)، وقبله بنحوِهِ أبو حامدٍ الغزالي في (ميزان العمل) رحمهما الله: “إنما يفسد الناسَ نصفُ متكلمٍ ونصف فقيهٍ ونصف نحويٍ ونصف طبيبٍ. هذا يفسد البلدان وهذا يفسد الأديان وهذا يفسد اللسان وهذا يفسد الأبدان”. لئن قيل ذلك عن الأنصافِ وإفسادهِم فماذا عن الأصفار؟


إن «ثقافة الاستهلاك» ثقافة إتكالية انهزامية تبتلع الثروة وتفقد الحس بقيمة الأشياء وتجعل المرء ينشغل بالمظهر عن الجوهر عندما يصير الإنفاق على الكماليات هدفا ورسالة ومظهرا اجتماعيا يبذل فيه الغالي والنفيس. بل ربما تصل هذه الثقافة إلى حد الهوس أو المرض أو تدفع صاحبها لأن يمد يده إلى الحرام ليشبع نهمته ويرضي غريزته. وكما يقول (هارتلى جراتان): “المستهلك مخلوق معَقَّد يعيش في عالم معَقَّد”.


كما يرى المحللون أن استهلاك الأشياء بات أسهل وأقرب، وأن الاستهلاك المفرط يخمد العقل ويفقده القدرة على التفاعل والتفكير والتحليل، حيث يتعامل الذهن مع صنوف المنتجات باستسلام، بخلاف الإنتاج الذي يتطلب اتخاذ القرارات والمفاضلة بين الاختيارات والتجريب والمحاولة بما يقتضيها النجاح والفشل، وهذا من شأنه أن يفجر الطاقات ويثري الإبداعات.
يذكر أنه من منتصف هذا القرن تضاعف متوسط الاستهلاك العالمي للفرد الواحد من النحاس والطاقة، واللحوم والصلب والخشب مرة واحدة، بينما تضاعف متوسط استهلاك الأسمنت كما تضاعف عدد مالكي السيارات أربع مرات، وتضاعف استهلاك البلاستيك خمس مرات، والألمونيوم سبع مرات. ومنذ عام 1950م استهلك سكان العالم من السلع والخِدْمات ما يُعادل ما استخدمه البشر منذ فجر التاريخ الإنساني.

د/ خالد سعد النجار

منقول

صيد الفوائد

About the Author :

Comments are closed.